الرئيسية » منوعات » “كذبة أول نيسان”.. بين الخداع والتسلية

“كذبة أول نيسان”.. بين الخداع والتسلية

تاريخ النشر: 12/04/1 | القسم : منوعات | 1٬309 مشاهدة | | تكبير الخط + | - تصغير الخط

“أمك في العناية الفائقة  في حالة حرجة، توجه إلى المشفى بأسرع ما يمكن”!، وبينما هو على الطريق مسرعاً يتعرض لحادث عنيف يؤدي إلى إصابته بجروح خطرة، وأخرى تصاب بتوتر وانهيار عصبي بعد تلقيها خبر رسوبها في امتحانات الجامعة من أعز صديقاتها، ليتبين فيما بعد أنها نجحت وبعلامات جيدة، وآخر يتلقى خبر احتضار والده فيصاب بهم وحزن شديدين، ويضطر لترك عمله في الخارج، والتوجه إلى لبنان بأسرع ما يمكن، ليتفاجأ أن أباه حي وبأفضل حال، هؤلاء قلة من الأشخاص الذين يقعون ضحية خدعة يمارسها معظم الناس من جميع أنحاء العالم مع بداية شهر نيسان من كل عام، حيث تكثر المقالب والمداعبات بين الناس، ويزداد الكذب من أجل الضحك والتسلية، لكن البعض يتمادى في ذلك فتنتهي المزحة بمصيبة أو كارثة لا تسبب سوى الأذى والألم.

إلى متى يرجع تاريخ كذبة 1 نيسان؟

إن تاريخ وأصل كذبة الأول من نيسان، هي غير مؤكدة ومثبتة بشكل نهائي، فهناك من يقول إنها نشأت في فرنسا في القرن السادس عشر في عهد الملك شارل التاسع، الذي فرض تقويماً جديداً في فرنسا، حدد فيه أن العام الجديد يبدأ في الأول من شهر كانون الثاني، بعد أن كان يبدأ في الأول من شهر نيسان، فأصبح كل من يرفض التقويم الجديد من المتعصبين للتقويم القديم، يصنف بالأحمق ويتعرض للسخرية والمواقف الحرجة من قبل الناس، فانتشر هذا التقليد فيما بعد، وهناك رأي آخر يظن أن هذه العادة هي بقايا لطقوس وثنية تمتد إلى عصور قديمة، حيث كانوا يختلقون الأكاذيب في أول ايام العيد الذي يكون في بداية فصل الربيع، وآخرون يزعمون أنها تعود إلى أصل هندي، حيث كان الهنود يحتفلون بعيد اسمه “الهولي” ينتهي آخر شهر آذار، فكانوا يودعونه في أول نيسان بالأكاذيب البيضاء والدعابات والمقالب المضحكة التي يعتقد أنها استمرت إلى حد الآن منذ ذلك الحين.

من أشهر أكاذيب 1 نيسان

المهم أن هذه العادة التي تتألف من عناصر أساسية، هي الكذب والخداع وأحياناً الأذية، امتدت إلى جميع أرجاء العالم، وأصبحت تمارس بين الأفراد بمختلف تعدداتهم العرقية والثقافية والدينية في كل عام، ومن أشهر كذبات الأول من نيسان، هي ما نشرته جريدة “إيفننج ستار” الإنجليزية في أوروبا، حيث أعلنت في 31 آذار سنة (1746) أن “غداً أول نيسان، سيقام معرض حمير عام وبالمجان في مدينة “أسلنجتون” الإنجليزية”، فهرع الناس ينتظرون لمشاهدة هذه الحيوانات، ولما أعياهم الانتظار ولم يجدوا شيئاً، علموا أنهم جاءوا يستعرضون أنفسهم، فكأنهم هم الحمير.

كما اشتهرت كذبة “شجرة المعكرونة” التي قامت بها قناة الـBBC عام 1957، عندما عرضت تقرير تلفزيوني تقول فيه، إن موسم المعكرونة في سويسرا لتلك السنة نجح بسبب الشتاء غير الحاد، والذي ساعد في عدم تكسر قضبان المعكرونة المدلاة من الشجر، وذلك مع عرض مشاهد لاشجار تتدلى منها قضبان المعكرونة، والمضحك في الأمر أن آلاف المشاهدين صدقوا هذا التقرير المفبرك، واتصل بعضهم بالمحطة يسألون كيف يمكن زراعة أشكار المعكرونة.

إضافة إلى الخدعة التي قامت بها شركة برغر كينغ الأميركية عام 1998، عندما نشرت إعلاناً في الصحف أعلنت فيها عن بدء بيع همبرغر مصمم خصيصاً من أجل الناس الذين يستعملون اليد اليسرى بدل اليمنى، وقالو إن الهمبرجر يحتوي على نفس مكونات الهمبرغر العادية، ولكنها مرتبة بشكل عكسي لملائمة اليد اليسرى، وما كان من آلاف الزبائن إلا أن ذهبوا إلى المطعم يطلبون الساندويش الجديد، و في اليوم التالي قامت الشركة بنشر إعلان جديد ذكرت فيه أن “همبرغر اليد اليسرى” كان مزحة أول نيسان.

ويحذر الكثير من مساوئ هذه العادة السيئة التي تمارس سنوياً لما تنتجه من إزعاج وأذى في معظم الأحيان، لكن يغيب عنهم حقيقة أن الكذب لم يعد يقتصر على اليوم الأول من نيسان فقط، وهنا تشاركنا سارة الحسيني (20عاماً) التي تتخصص في دراسة علم النفس في الجامعة اللبنانية في رأيها فتقول: “لا أدري لماذا يولي الناس الكثير من الأهمية ويبدون قلقهم من استمرار ممارسة كذبة نيسان، فالناس يكذبون في كل يوم وكل ساعة، إن كان في أول نيسان أو نصفه، في أول السنة أو آخرها لا يوجد فرق، والمؤسف أن الكذب قد تغلغل داخل عالمنا العربي والإسلامي بشكل لا يصدق، فأصبح واضحاً وجلياً في جميع أنحاء حياتنا، في الإعلام والسياسة والتجارة وغيرها، كل ذلك من أجل إشباع المطامع والمصالح الشخصية، فبات كالادرينالين في دماء شعوبنا، وأفيونها الذي لا تستطيع أن تعيش بدونه، لأنه يعد الوسيلة الأقوى التي تحقق لها النجاح والأرباح”.

وفي دراسة أجراها الطبيب النفسي الأميركي “روبرت فيلدمان”، كشف أن معظم الناس يكذبون أثناء الأحاديث التي يجرونها كل يوم، لكي يبدو أكثر ذكاء وليثيروا اهتمام الآخرين بهم، ووجد أن 60% من الناس يكذبون مرة على الأقل خلال حديث مدته عشر دقائق، أما المعدل المتوسط فهو كذبتان أو ثلاث.

ولكن ما هي الأسباب التي تجعلنا نكذب، وهل هناك أكثر من نوع واحد للكذب؟ يبدي المواطن حسن فاضل (36عاماً) رأيه في الأمر فيقول: “على ما يبدو، فإننا نتعلم الكذب منذ سن صغيرة، عندما تبدأ معنا قدرة التخيل والابتكار، وعندما يشجعنا الجو المحيط بنا على فعل ذلك، وهو الأمر الذي يلازمنا فيما بعد طوال حياتنا من أجل التهرب من العقاب بشكل أساسي”.

وبالفعل، فإن الدافع الرئيس للكذب، هو تجنب المشاكل، إن كان على الصعيد الشخصي أو على صعيد العائلة والمقربين، فتكون المكافأة هي الهرب وعدم التورط في المشكلة، في حين تقع الحقيقة ضحية لها، فالبعض يكذب من أجل السيطرة والتملك، والبعض الآخر يكذب لكي لا يجرح مشاعر الآخرين وليجنبهم النزاع والخلاف، وهناك من يكذب لشعوره بالنقص (الكذب الادعائي) أو لأنه رأى غيره يقوم بذلك (التقليدي) أو من أجل الانتقام (الانتقامي) أو وبكل بساطة، لأنه تعود على ذلك أي الكذب التلقائي وغير المتعمد الذي تحدث عنه البروفيسور في علم النفس جيرالد جيلليسون، في جامعة كاليفورنيا الجنوبية، حيث يشرح أن الكذبة الواحدة تؤدي إلى عشرات الأكاذيب، فعندما تمر كذبتنا الأولى بسهولة، يسهل علينا تكرار الكذب في المرة الثانية والثالثة، وكلما أفلتنا من عقاب الكذبة، كلما ازداد  ليتحول لاحقاً وبدون أن ندرك ذلك إلى عادة طبيعية وجزءاً لا يتجزأ من شخصيتنا.

وعلى كل حال، يعتبر الكثير من الناس أن الكذب مهما كان حجمه (صغيراً أو كبيراً) ولونه (أسوداً أو أبيضاً)، هو جريمة أخلاقية مذمومة ترفضها جميع الأديان والمجتمعات على اختلافها، إلا في حالات معينة واضطرارية، كإنقاذ حياتنا مثلاً أو حياة شخص آخر من موت أو خطر كبير، أي عندما تكون نتيجة عدم قول الكذبة أسوأ من قولها، وعدا ذلك فهي مرفوضة لما تسببه من هدم الروابط الإنسانية بين الأفراد واندثار الثقة التي على أساسها تبنى عملية التعايش المشترك، ومن خلالها يتحقق السلام الداخلي مع النفس ومع الآخرين، وإلى أن تسعى الشعوب إلى تحقيق هذا السلام المتكامل يبقى الكذب ملح حياتنا.

وأخيراً نذكر بعض أشهر ما قيل في الكذب:

(إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عندالله صديقاً، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإنً الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) حديث نبوي.

“تستطيع أن تخدع كل الناس بعض الوقت، أو بعض الناس كل الوقت، ولكنك لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت” إبراهام لينكولين.

“ليست عقوبة الكاذب أن الناس لا يصدقونه، بل إنه هو لا يستطيع أن يصدق الناس” جورج برناردشو.
“الكاذب لا يُصدّق ، حتى ولو قال صدقاً ” شيشرون.

غدير حامد

الثبات

إقرأ أيضاً :
  •  «صندل» ينير لك الطريق!
  •  عيون نتاشا تنفذ داخل جسم الانسان
  •  لحوم الحمير تفترش موائد أثرياء الخليج
  •  هذا مايبحث عنه الرجل في المرأة
  •  طائرة بدون طيار تحلق لمدة أسبوعين بدون هبوط



  • كلمات البحث

    • مقالب كذبة اول نيسان (38)