الرئيسية » ثقافة وتراث » فيلم " عاهرات الجنة " بين البعد الإنساني لشخصية العاهرة و تُوازن النظرة بين العقل والعاطفة

فيلم " عاهرات الجنة " بين البعد الإنساني لشخصية العاهرة و تُوازن النظرة بين العقل والعاطفة

تاريخ النشر: 11/09/26 | القسم : ثقافة وتراث | 2٬908 مشاهدة | | تكبير الخط + | - تصغير الخط
جيلار/
بقلم الناقد / د. ناجي عوض المصري
من بين مئات الأفلام التي شاهدتُها خلال العام 2010  سواء كان ذلك في الصالات الباريسية او مهرجانات السينما المحلية  والعالمية  أو المُشاهدات المنزلية .. فإنه من المُجحف بحقّ الإبداع السينمائي المُتنوع الأساليب  والاتجاهات اختيار أفضل فيلمٍ من بينها.
بالنسبة لي  كلّ واحدٍ منها يمتلك جمالياته الشكلية  والمضمونية  يمنح المُتفرج متعة خاصة  يُحرض مخيلته  ويُثير أحاسيسه. ولن أتحايل على نفسي للمُفاضلة بين “Antichrist” لمُخرجه “لارس فون ترير”  و”عاهرات الجنة ” لمُخرجة “ميرفت يوحنا ” ولن يكون الأمر بسيطاً في التفضيل مابين “نصّ مللي غرام نيكوتين” لمُخرجه السوريّ “محمد عبد العزيز”  و”واحد صفر” لمُخرجته المصرية “كاملة أبو ذكرى”  أو “كما قال الشاعر” لمُخرجه الفلسطينيّ “نصري حجاج”  و”محارم  محارم” لمُخرجه السوريّ “محمد ملص”  أمام هذه المُعضلة التي لا أرغب التورّط فيها  فإنني سوف أذهب بعيداً إلى أقصى حدود الاختلاف  و”الاستفزاز”  كما فعلتُ يوماً مع “السينما التجريبية”  ومهدتُ لها في الثقافة السينمائية العربية حتى تسللت بهدوءٍ إلى الذائقة ـ النخبوية على الأقلّ ومن ثمّ المهرجانات .
وبنفس العناد  أرفعُ اليوم راية “السينما اللبنانية ” التي يعشقها الملايين  ويتماهون مع حكاياتها بالمُقابل وانطلاقاً من أحكامٍ مُتسرعة أو مُتعالية  ومشاهداتٍ قليلة جداً لإنتاج هذه السينما المُتعددة اللغات  والثقافات  ينعتها ملايين أخرى بنمطية قصصها  وميلودراميتها.
فيما يخصّني  كنتُ أذهب إلى السينما ـ حتى إدمانها ـ بهدف العيش في عوالم الأحلام  والخيال  وكانت تشدّني  بالتحديد  البطولات الملحمية التي يُجسّدها هرقل  ماشستي  وشمشون الجبار .. والأفلام الكوميدية  الاجتماعية  والعاطفية  قبل أن أتحوّل تدريجياً إلى أفلام فلليني  أنطونيوني  غودار  تروفو .. وأتباهى بثقافتي السينمائية الجادة  ومن ثمّ إقامتي في باريس  واكتشافي للسينما التجريبية  أساليبها  جمالياتها  اتجاهاتها  وتياراتها  واستمتاعي النخبويّ بالأفلام المحروقة  المثقوبة  الخطوط الهندسية  الصور المُنشطرة  والأصوات المُغايرة للصورة
وباقتناعٍ  تخطت السينما الفكرة العقيمة التي يمضغها النقد السينمائيّ العربي  ويجعلها “انعكاساً للواقع” …ولم تعدّ تلك الأفلام التي يُقال عنها مُلتزمة  وجادّة تشغلني كثيراً  وفقدَ هذا التصنيف “النضاليّ” معناه.
بالنسبة لي  لا يوجد فيلمٌ جيدٌ  وآخرٌ سيئٌ بشكلٍ مطلق  ولم يكن الجمهور كتلة واحدة  ولن يكون  ومن واجبنا احترام تعددية أذواقه  والكفّ عن ازدرائه  والتعالي عليه  وما هو سخيفٌ اليوم من وجهة نظر النقد السينمائيّ  رُبما يصبح غداً من كلاسيكيات السينما  وهو السبب الذي يجعلنا نشاهد بكثيرٍ من الابتهاج  والمُتعة السينما المصرية أيام “الأبيض  والأسود”  بغضّ النظر عن مستوياتها النوعية  كما يتعيّن علينا بأن لا نعتبر “تجارية الفيلم” نعتاً تحقيرياً  لقد كان اختراع “السينما توغراف” مشروعاً تجارياً للفرنسييّن “الأخوين لوميير” حققا منه ثروةً طائلة  وبالتوازي  أضاف إليها الفرنسيّ “جورج ميليّيس” جانباً فنياً إبداعياً  واستخدمها وسيلة للفرجة  والتسلية  ورحل عن هذا العالم مُفلساً.
ولهذه الأسباب  سوف أتوقف اليوم عند فيلم “عاهرات الجنة ” (من إنتاج عام 2010 الذي عُرض في باريس بتاريخ 29 يوليو 2010)الفيلم 68 دقيقة .أحداث الفيلم مُستوحاة من قصةٍ بعنوان “العاهرات الأربع ” للكاتب الفرنسي ” ميخائيل  ديستويفسكي” بعد ان تلاعبت وبجدارة المخرجة اللبنانية ميرفت يوحنا  بإحداث القصة وإعادة صياغة السيناريو ومن ثم أضافت  بعداً جغرافياً عالمياً من خلال ديكوراتٍ سينمائية ومزيجاً من أماكن مشهورة في عواصم عالمية. تدور قصة الفيلم حول محور واحد وبعد واحد هو
ايلين ، فتاة لبنانية  تضطرها الحاجة للعمل كمغنية في  ملهى فاخر تديره مدام  رولا  وهي قوادة  تدير شبكة من عاهرات أحد الأحياء الغنية ، هناك أكثر من سببٍ يُفسّر الإشارة إلى هذا الفيلم : اكتشافي المُتجدّد للسينما اللبنانية وفهمي لآليات إنتاجها التي تتوافق تماماً مع هدف السينما الجوهريّ : الفرجة. الفيلم ساحرٌ في كلّ تفاصيله الجمالية  صورةً  وصوتاً  وحتى حكايته عناصر الصورة المُزخرفة بدقةٍ متناهية  تطغى عليها الألوان الزرقاء في تناغمٍ مُذهلٍ مع الملابس  وألوانها. تؤكد الإضاءة الليلية في الأمكنة الجانب الحلميّ للأحداث المُتداخلة في أزمنتها  وتجعلها مزيجاً من حكايات “ألف ليلة  وليلة”  والزمن الحاضر .
تجسيد حالة فريدة من الحبّ الذي لا يكون حصراً من نصيب الشخصية الرئيسية  حيث تتخير “ايلين ” حبيبها “فادي ” المُسلم  الغريب الهائم في أرجاء الدنيا.
يبتعد الفيلم عن “بكائيات” السينما   ويمنح الشخصيات الثلاث (ايلين   فادي  هيفا ) أبعاداً إنسانية تُوازن مابين العقل والعاطفة. يمنح السيناريو صورةً إيجابية مختلفة لشخصية العاهرة يُبهجنا الفيلم بموسيقاه  تألق مفردات البناء السينمائي للفيلم: حركـات الكاميرا  الإيقاع  الألوان  الملابس  الديكور  الإضاءة  ومع أنّ بطلات السينما اللبنانية  يتمتعن بجمالٍ خارق  لا يمكن نسيان “ايلين” الذي تمهل الله في خلقها. باختصار  “عاهرات الجنة ”  فيلمٌ ساحرٌ في جماله  إنسانيّ في أحداثه  مُدهشٌ في بنائه السينمائي  أتحفتنا به ” ميرفت يوحنا ”  واحدة  من مبدعي السينما اللبنانية المُعاصرة

تعليقك على الفيس بوك

إقرأ أيضاً :
  •  احتراق جزء كبير من السوق الأثرية في حلب القديمة
  •  بعد راحه بباريس ماجدة الرومي ستجهز البومها
  •  هيفاء وهبي اجمل فنانة بشهادة من اليسا
  •  مسلسلات مضان 2009: أخطاء بالجملة
  •  إطلاق كتاب "ركض في رام الله"



  • كلمات البحث

    • عهرات لبنان (51)
    • عهرات مصر (38)
    • افلام عاهرات (27)
    • افلام عهرات (25)
    • عهرات (18)
    • فيلم العاهرة (18)
    • فيلم عاهره لبنانيه (11)