لبنان يبدأ التفاوض لتمكين الأجهزة من مراقبة بلاك بيري
أطلق لبنان المفاوضات الرسمية المباشرة مع شركة “ريسيرتش إن موشن” الكندية المصنّعة لجهاز “بلاك بيري”، وذلك في أول اجتماعين رسميين الأربعاء والخميس في بيروت جمعا ممثلين اثنين من الشركة بالمسؤولين في وزارة الاتصالات والهيئة المنظمة للاتصالات، بحضور الوزير شربل نحاس، بغية محاولة التوصل إلى اتفاق بشأن تمكين الأجهزة القضائية والأمنية اللبنانية من الوصول إلى معلومات المستخدمين، لأسباب تتعلق بالأمن القومي للدولة، على ضوء الكشف عن شبكات التجسس المتغلغلة في هذا القطاع.
هذا من أبرز خلاصات الحوار الذي أجرته الهيئة المنظمة للاتصالات قبيل الإفطار الذي أقامته الأربعاء في فندق “موفنبيك” تكريماً لأهل الصحافة والإعلام، وتخلله حوار حول التطورات التي يشهدها قطاع الاتصالات ودور الهيئة على مستوى تنظيمه وتطويره، بمشاركة من رئيس الهيئة المنظمة بالإنابة عماد حب الله، وعضوي مجلس الإدارة باتريك عيد ومحاسن عجم.
وعلمت “المستقبل” إن ممثلي الشركة الكندية (RIM)، وقبل مغادرتها بيروت عائدين إلى بلدهما، أخذا علماً بمتطلبات السلطات اللبنانية المتعلقة بخدمة “بلاك بيري”، واتفق الجانبان على متابعة الحوار والبحث في التفاصيل في اجتماعات قريبة.
ومع أن حب الله فضّل عدم الإفصاح عن مجريات المحادثات مع الشركة الكندية، فقد سبق له أن صرّح لـ”المستقبل” بأن التدقيق في مختلف الجوانب التجارية والفنية والاقتصادية والمالية والقانونية والأمنية لخدمة “بلاك بيري” والخدمات المشابهة، سيفضي إلى إرساء تصور معين، بما يمكّن لبنان من تحديد متطلباته على هذا الصعيد، وطرح البدائل المتاحة كي تكون الشبكة آمنة، وتتيح لقوى الأمن والقضاء إمكانية الولوج للمعلومات والبيانات، وتأدية مهماتها في الدفاع عن أمن المواطن اللبناني.
كما سبق لحب الله قوله “إذا لم تتمكن القوى الأمنية اللبنانية من الوصول إلى المعلومات الضرورية للتأكد من بعض القضايا المتعلقة بخدمات “بلاك بيري”، فبالطبع سنطلب من الشركة الكندية التي تتولى نظام التشفير المركزي، تسليم القوى الأمنية والقانونية والقضائية اللبنانية مفاتيح التشفير، أو العمل بأي طريقة تؤمّن تطبيق القانون والمحافظة على الأمن في لبنان”.
التعاون مع الوزارة
وبرز في المناقشات التي سبقت الإفطار، أيضاً، تأكيد مسؤولي الهيئة المنظمة استمرار مسيرة التعاون البنّاء مع وزير الاتصالات شربل نحاس، لكنهم كانوا صريحين جداً في القول إن كل التعاون يتمّ على قاعدة ضمان استقلال قرار الهيئة إدارياً ومالياً، وأوضحوا، وفق بيان صادر عن الهيئة، أن “تطوير القطاع يبقى مرهوناً ببلورة نتائج هذا التعاون وتمتين جسور الثقة”، مؤكدين أن التطورات التي شهدها قطاع الاتصالات أخيراً تستدعي المزيد من التعاون مع وزارة الاتصالات وغيرها من الوزارات والأجهزة المعنية.
وفي هذا السياق، شدد حب الله على أن الهيئة المنظمة تطمح لأن يفضي التعاون مع وزارة الاتصالات إلى تسريع بلورة سياسة القطاع وقواعدها العامة، بحيث تقوم الوزارة بتحويل بقية الأنظمة إلى مجلس شورى الدولة تمهيداً لإصدارها حسب الأصول، وبتطبيق ما اتُفق عليه بالنسبة لانتقال بقية الصلاحيات التنظيمية إلى الهيئة، على أمل أن تحمل موازنة العام المقبل للهيئة استقلالاً مالياً تاماً.
وخلال الحوار، قال حب الله إن قطاع الاتصالات يراوح مكانه تقريباً منذ سنوات “لأننا ننظر إليه كبقرة حلوب، نريد منها الحليب من دون إطعامها وسقايتها”، فضلاً عن أن “إدارة القطاع مهترئة والاستثمار في الإدارة والكوادر الفنية والتقنية الخبيرة غائبة”.
وكان لافتاً في كلامه الحديث عن مباحثات تجريها الهيئة مع الوزير نحاس بهدف التوصل إلى “رؤية جديدة” لتحرير القطاع لا تتطابق تماماً خطتها التي أعلنتها الهيئة سابقاً والتي باتت تفاصيلها معروفة ومعلنة.
وفي معرض رده على سؤال عما حققته الهيئة منذ تأسيسها، قال حب الله إن “يد الهيئة لم تُطلق بكل ما هو مرسوم لها ومطلوب منها بموجب قانون الاتصالات رقم 431 ومرسومه التطبيقي، في ظل التشرذم السياسي الذي كان قائماً في السابق، والذي حال دون تسلّم الهيئة كل صلاحياتها القانونية، ومنذ مدة وصلنا إلى نتائج جيدة في بناء الثقة مع الوزارة، لكن حتى الآن لم تنتقل إلينا الصلاحيات لنتمكّن من القول إننا أصبحنا مستقلين تماماً على المستويين الإداري والمالي”.
“ليبان تيليكوم”
أما عجم، وهي أيضاً رئيسة وحدة الإعلام وشؤون المستهلكين في الهيئة، فقد أجابت على سؤال حول أسباب ضعف قطاع الاتصالات في لبنان، قائلةً إن من أبرزها حاجة الدولة إلى التمويل واعتمادها على إيرادات هذا القطاع كمصدر أساسي لها، مع ما أدى إليه ذلك من ضعف في تطوير الشبكات وصيانتها من جهة أولى، وعدم فتح الباب أمام استثمارات وخبرات جديدة من القطاع الخاص من جهة ثانية. وفي هذا الإطار، أضافت أن الهيئة دعت دوماً، ولا تزال، تدعو إلى استكمال تطبيق قانون الاتصالات النافذ عبر إطلاق شركة “ليبان تيليكوم” تحريراً لعمل الوزارة من البيروقراطية وتأميناً للتفاعل السريع مع حاجات السوق ومتطلباته.
بدوره، شرح عيد، وهو أيضاً رئيس وحدة السوق والمنافسة في الهيئة، منافع إطلاق خدمات الحزمة العريضة في لبنان وجدواها التطويرية على المستويات التواصلية والاقتصادية والاجتماعية. وعما إذا كان ما تعمل على تطويره الوزارة حالياً يعتبر كافياً، أكد أن ما يجري من تطوير لشبكة الألياف البصرية والسعات الدولية وغيره خطوات هامة وضرورية لتلبية حاجات السوق اللبنانية بعد سنوات من الجمود.
ولفت إلى أن هذه “جهود تدعمها الهيئة وتدعو إلى المزيد من الاستثمارات في هذا المجال الحيوي، إذ إن طموح الهيئة للبنان يقتضي تحفيز البنى التحتية لتأمين المنافسة بين أكبر عدد من المشغلين بحيث تصل الألياف البصرية والسعات الكبيرة المطلوبة إلى الأحياء، ومن ثم إلى المنازل في أقصر فترة زمنية ممكنة، مما هو غير متاح ضمن هيكلية السوق الحالية”.
أمن الشبكات
وتطرق المسؤولون إلى مسألة ضمان أمن الشبكات، التي اشتدت الحاجة إلى معالجتها على ضوء الكشف عن الخروقات الإسرائيلية لشبكات الخلوي والثابت، وشرحوا دور الهيئة المنظمة في ضمان حقوق المستهلك وخصوصياته من جهة، وتطبيق القوانين لحماية أمن وأمان شبكات الاتصالات من جهة ثانية.
وتناول الحوار بعض مضامين وثيقة “متطلبات أمان شبكات الاتصالات في لبنان”، التي توصي فيها الهيئة باعتماد إجراءات أمان جديدة، تُطبّق على كافة شبكات الاتصالات لتقديم الخدمات الثابتة أو الخلوية أو خدمات الانترنت أو نقل المعلومات، مع احترام وحماية المعلومات الشخصية للمشتركين وسريتها.
وشرح مسؤولو الهيئة العمل الميداني الذي تقوم به الهيئة في سياق تنظيم قطاع الاتصالات، حيث تركّز جهدها حالياً لوقف التداخل على حيز الترددات، وتصحيح أوضاع قطاع البث التلفزيوني والإذاعي، ووقف النشاط غير الشرعي على هذا الصعيد، وذلك بالتعاون مع وزارتي الإعلام والاتصالات والمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، فضلاً عن رفع التوصيات اللازمة بهذا الخصوص إلى السلطات المعنية لحل المشكلات وتطوير القطاع.
وأوضح مسؤولو الهيئة أن حماية حقوق مستهلك خدمات الاتصالات كانت، ولا تزال، من أهم أولوياتها منذ انطلاقتها، وقد ترجم ذلك على الصعيدين التخطيطي والميداني، إذ أرست الهيئة الأطر التنظيمية الأساسية والضرورية لحماية مستهلكي خدمات الاتصالات، فطرحت 4 أنظمة على الاستشارات العامة ثم أصدرتها في صيغتها النهائية، حيث نُشر نظام جودة الخدمة ومؤشرات الأداء الأساسية في الجريدة الرسمية، أما الأنظمة الثلاثة الأُخرى (“نظام شؤون المستهلك”، و”ميثاق تقديم الخدمات ذات القيمة المضافة” و”نظام الحدّ من التعرّض البشري للموجات الكهرومغناطيسية”) فقد رفعت إلى وزارة الاتصالات تمهيداً لإحالتها على مجلس شورى الدولة.
أما على الصعيد الميداني، فقد باتت الهيئة قادرة على تلقي ومعالجة شكاوى المستخدمين منذ نحو سنتين عبر الخط الساخن 1739 بالتعاون مع مديرية حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة، إضافة إلى تخصيص فريق عمل يعمل على إزالة التشويش الحاصل على الترددات ضماناً لأمن وجودة الخدمة.











